الحارث المحاسبي

306

الرعاية لحقوق الله

كطبع الملائكة ، ولكن النهي عما يدعو إليه الطبع . وكما يروى عن وهب أنه قال : الإيمان قائد ، والعمل سائق ، والنفس حرون « 1 » ، فإن فتر قائدها صدفت عن الطريق ، وإن فتر سائقها حرنت على قائدها ، فإذا استقام السائق والقائد مضت النفس طوعا ، أو كرها . ولو كنت كلما كرهت نفسك شيئا تركته يوشك أن تترك دينك كله « 2 » . وقال : النفس تنتظر الهوى ، والهوى ينتظر العقل ، فإن زجره العقل انزجر ، وإن أرخى له مرّ . وصدق ؛ لأن العقل إذا لم يبصر بالعلم ويعتصم بالمعرفة صبا إلى ما تدعو إليه النفس من قبل هواها ، فكان هو الذي يحتال للمكائد ويتلطف لشهواته وهواه . وإذا تذكر فأبصر بالعلم ، واستعصم بالمعرفة عرف ضرر ما يدعو إليه الهوى ، وأبصر عاقبة ضرره - زجره ، فأمسكت النفس عن استعماله . وذلك أن اللّه عز وجل طبع الحيوان من أهل السماوات والأرضين على طبائع شتى ، فطبع الملائكة على العقول والبصائر ، وعرّاهم من الهوى والشهوات والاشتغال للمكاره التي يألم بها غيرهم من الحيوان ، فلا يعترض لهم الأهواء ولا تنازعهم الشهوات ، فهم دائبون في طاعة اللّه عزّ وجلّ وذكره لا يفترون ؛ إذ لم يجعل فيهم الأضداد التي بها يفترون ، والأهواء والشهوات التي تصدّ وتؤثر على الطاعات والذكر ، فلم يجعل لهم ثواب نعيم الجنان ؛ إذ لم يجاهدوا الأهواء ، ولم يتحملوا الآلام والتعب والنصب ، وأجيروا من العذاب وتركوا في طاعتهم .

--> ( 1 ) شبه النفس في توقفها عن العمل بالدابة الحرون ، وهي التي إذا استدرّ جريها وقفت . ( 2 ) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 4 / 31 .